الموقع الرسمي للدكتور نوح الشهري

باعة الوهم!

ما بين المطرقة والسندان..مِطرقة: عدم وجود خطة يعني عدم وجود نجاح، وبين سِندان: أن كل نجاح فهو مجرد صدفة، ولا اعتبار لأي تخطيط مهما كانت صورته؛ ضاعت فكرة أهمية التخطيط! والحقيقة أننا لا نستطيع أن نحمل الناس على ممارسة واحدة مهما رأيناها مثاليّة! وقبل الحديث بتوسع، يجب أن نتفق على أهمية الفكرة مهما تنوعت ممارساتها، فالكل –عمليا- يتفق على أهمية التخطيط، سواء اعترفوا بذلك مباشرة أم لم يعترفوا، فقد يكون التخطيط بطريقة بدائية فطرية، فمثلا: حين تسأل شخص بداية يومه عن ماذا سيفعل؟ ستجد نفسك أمام جدول مرسوم في ذهنه، فهو يعرف أين سيذهب ومتى وكيف..الخ، وهذا يوصلنا إلى أن الاختلاف في نوع التخطيط والممارسة وليس في فكرة التخطيط، فيمكن القول بأن للتخطيط ثلاث درجات:
التخطيط الذهني، وأغلب الناس يفعله.
التخطيط التوثيقي (الكتابي) وإقبال الناس على هذا النوع من التخطيط أقل من سابقه.
التخطيط التنفيذي.
فالفكرة في الذهن –عند الجميع-، أما التخطيط التوثيقي (الكتابي) عند دائرة أضيق من دائرة الذين يخططون ذهنيا، ومن إيجابيات التخطيط الكتابي أنه يردم الهوّة بين التخطيط الذهني وبين التنفيذ وتكون مادة التخطيط المكتوبة وثيقة يحاكم المرء إنجازه إليها، وأخيرا يأتي دور التخطيط التنفيذي وهو إسقاط ما هو مكتوب على أرض الواقع.
ومما يشار إلى أهميته في التخطيط:تأثير نمط الشخصية فالناس حسب نمط شخصيتهم يتراوحون بين مستويين مختلفين، فالأول يميل إلى الإجمال والآخر إلى التفاصيل، وكلاهما ناجح إذا أنجز! فالإنجاز هو ما تخطط له لا ما يقع لك مصادفة!، ولا يلزم أي طرف الآخر بطريق، فالتنوع صحي، وكلٌ يسير في طريقه وفق إمكاناته وتفضيلاته، والنجاح هو المقصد.
لا يوجد طريقة واحدة للتخطيط، فما يصلح لك لا يصلح لغيرك، وما يصلح لغيرك لا يصلح لك، كما أن الممارسة مرتبطة بنمط المُستشير، وليست برغبة المستشار، فالمستشار الناصح يختار للمستشير الوسيلة التخطيطية التي تناسب نمطه، أما تقديم قالَب واحد للجميع فهذا لا يراعي تنوع الأنماط! النمط التفصيلي يريد الخطة التشغيلية ويريد الجزئيات الدقيقة، ومتى لم يتوفر ذلك فهو لا يرى أي وجود للتخطيط، أما النمط الإجمالي فيريد الخطة الاستراتيجية العامة، يهمه معرفة الأهداف والرؤية وماذا سيحقق نهاية المدة المخطط فيها، وحين لا يراعي المستشار ذلك فإنه لن يوصل المستشير إلى المكان الذي يمكن أن يصل إليه.
ومن مشكلات المستشارين في التخطيط: تعقيد المنهجيات وتقديسها على حساب تفعيلها ونحن هنا أمام نوع من المستشارين أثروا سلبا على واقع الشباب الراغبين في ممارسة التخطيط لتنظيم حياتهم، وقد نصّبوا أنفسهم نماذج مُشرّعة لمنهجيات التخطيط!، يمكن تسميتهم:باعة الوهم!؛ يُغرقون الشباب في نجاحات وهمية وآمال عريضة، ولا يُملّكونهم الأدوات الحقيقية للنجاح، يسمع الشاب منهم أنه سيصبح أستاذ عصره وإمام زمانه، فيتضخّم من كثرة هذا الذي يسمع، حتى إذا جاء الوقت الذي فيه استعراض الإنجاز، لا يجد في يده غير الهواء وفي قلبه غير الحسرة، يُملّكون الشباب الآمال ولا يناولونهم الأدوات!

من أهم الأدوات التي ينبغي أن يُملّكها مُريد التخطيط: أن تكون الرؤية واضحة، والدور الاستراتيجي محدد.(أين يريد أن يصل؟ وكيف سيصل؟)، كما أن تحديد الأهداف بدقة لا يقل أهمية عن سابقه، ثم يتم تحديد المشاريع والمبادرات على وجه الإجمال خلال السنوات المخطط لها، وعدم نسيان إيجاد مؤشرات عامة يمكن الاحتكام إليها للتأكد من الإنجاز.
أكثر مشكلات الشباب مع التخطيط هي في عدم التنفيذ، وليس في القدرة على التخطيط، ويؤكد ذلك العدد الكبير من الشباب الذين يسألون ويبحثون عن المنهجيات ويصلون إلى أكثر مما بحثوا عنه، ثم يكون الفشل في التنفيذ.
مواصفات الخطة الناجحة:
التوقع الناجح وهو الحد الأعلى من المُمكنات، ثم المرونة في الخطة فالخطط الجامدة قليلة التطبيق، وتُشعر المرء بالفشل وعدم جدوى التخطيط، يأتي بعد ذلك مراعاة الشمولية والتكامل في الخطة فقد تنهدم الخطة بسبب التركيز على جانب دون آخر، كما ينبغي مراعاة إمكانية القياس فلا تكن فضفاضة واسعة لا يمكن قياسها، وحتى لا يقع للخطة فشل فإن الانطلاق لا يكون إلا من واقع احتياج ولا يستنسخ المرء تجربة غيره مهما رأى بريقها، ولا يغب عن البال: مراعاة تعدد الجوانب الحياتية، فإن تغليب جانبٍ على آخر سيؤثر على توازن النتيجة النهائية، فيجب أن تُراعي الخطة التطور في الجوانب الإيمانية والأُسريّة والمالية والمعرفية والوظيفية وغيرها، وآخر المواصفات للخطة الناجحة: تنوع الأدوات المستخدمة لتحقيق الأهداف المرجوة، فتحصيل العلم على سبيل المثال يمكن أن يتحقق بالقراءة والسماع والمُدارسة وغيرها، ولا ينحصر المرء في أداة أو اثنتين، حتى إذا سقطت واحدة أو تراجعت لأي ظرف فإن الأخرى تدعمها وتسد مكانها.
أخيرا:ليس التخطيط وضع الأهداف فحسب، وإنما يتضمن وضع آلية لتطبيقها، وإلا أصبح التخطيط هدرا ومُحبطًا في الوقت نفسه.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *